اسماعيل بن محمد القونوي

486

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

فلا حاجة إلى حمل القتل على معنى البلية فإنه مع كونه خلاف الظاهر ومجازا على ما هو الظاهر مخالف للرواية « 1 » فإن الرواية قتل بني قريظة ( وإجلاء بني النضير إلى أريحا وأذرعات وضرب الجزية على غيرهم ) . قوله : ( وأصل الخزي ذل يستحي منه ) أشار به إلى أن أصله ذلك ثم استعمل فيما فيه ذل كالقتل والسبي والإجلاء إما مجازا أو حقيقة عرفية ( ولذلك ) أي ولكون أصل الخزي ذل يستحيي منه ( يستعمل ) الخزي ( في كل منهما ) أي في الذل الذي لا يستحيى منه والاستحياء الذي ليس منشؤه ذل مجازا بطريق إطلاق اسم الكل على الجزء والمراد بغيرهم في قوله وضرب الجزية على غيرهم بن وقينقاع قبائل من اليهود وفي كلامه إشارة إلى أنهم غير منحصرين في بني قريظة وبني النضير إذ منهم طائفة وهم بنو قينقاع بفتح القاف وتثليث النون فهم لم يقتلوا ولم ينفوا لعدم نقض ميثاقهم بالقتل وإجلاء الغير من ديارهم حتى يجازوا بمثل أفعالهم لكن لعدم إيمانهم وقبولهم الجزية ضرب عليهم الجزية وهذا ما فهم من كلام المص فلا غبار في بيانه كما توهم والدنيا مأخوذة من دنا يدنو أي قرب سمي بها ضد الآخرة لسرعة زوالها وقربها منه أو من الدناءة سمي بها ما على الأرض لدناءته لكن إذا وقعت وصفا للحياة أو السماء تكون وصفا بمعنى القربى أو السفلى وإذا لم يقع وصفا فهي من الأسماء الغالبة قد مر الكلام فيه في تفسير قوله تعالى : وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [ البقرة : 4 ] وقدم ذكر جزاء الدنيا لتقدمه على جزاء الآخرة . قوله : ( لأن عصيانهم أشد ) لأنهم كفروا ببعض الكتاب فيكون عذابهم أشد أنواع العذاب لأنه المفهوم من الإضافة لا أشد من عذاب الدنيا لكن كون عذابهم أشد أنواع العذاب بالنسبة إلى بعض الكفرة فإن عذاب المنافقين أشد من عذابهم « 2 » صرح به في تفسير قوله : ولذلك يستعمل في كل منها أي في كل من القتل والإجلاء وضرب الجزية لأن كلا منها ذلك يستحيي منه . قوله : لأن عصيانهم أشد حيث كفروا ببعض ما في كتابهم علله به إشارة إلى أن مقتضى الحكمة أن تقع المجازاة على حسب الجريمة معادلة لها لا أزيد ولا انقص كما قال عز وجل : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [ الشورى : 40 ] بخلاف الحسنة فإن جزاءها عشر أمثالها إلى سبعمائة والتعريف في العذاب للجنس إشارة إلى أن ليس المراد بأشد العذاب أشد من عذاب الدنيا بل أشد جنس العذاب فيكون أشد من جميع أنواع ذلك الجنس .

--> ( 1 ) قال ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كانت عادة بني قريظة القتل وعادة بني النضير الإخراج فلما غلب رسول اللّه عليه السّلام أجلى بني النضير وقتل بني قريظة رجالهم وأسر نساءهم وأطفالهم انتهى يعني الجزاء من جنس العمل فجوزي كل من الفريقين بما فعلوا . ( 2 ) والإمام ادعى أن عذاب الدهري أشد من عذاب اليهود وهذا إن سلم فجوابه ما ذكر .